أعلان الهيدر

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

الرئيسية الموسيقى من حيث هي تعبير عن عالم المعيش

الموسيقى من حيث هي تعبير عن عالم المعيش


الموسيقى من حيث هي تعبير عن عالم المعيش




تأليف: فلهام ديلتاي
ترجمة وتقديم: أ. د/ كمال بومنير



فلهام ديلتاي Wilhelm Dilthey فيلسوف ألماني وُلد عام 1833 وتوفي في 1911. يُعد أحد أقطاب ما يُسمى بفلسفة الحياة Lebensphilosophie والتأويلية (الهيرمينوطيقا) Herméneutique. أثرت فلسفته تأثيرا كبيرا في العلوم الإنسانية والاجتماعية أو ما يسمى في التقليد الفلسفي الألماني ﺑ "علوم الروح" المتميزة على المستوى المنهجي عن علوم الطبيعة، وخاصة بعد تمييزه بين التفسير Erklären والفهم Verstehen ، وانتقاده للمنهج الوضعي الذي حاول بعض المفكرين تطبيقه في دراسة الإنسان على المستويات الاجتماعية والنفسية والتاريخية. من أهم أعمال فلهام ديلتاي: "حياة شلايماخر" 1870، "مدخل إلى علوم الروح"1883، "أفكار عن علم نفس وصفي وتحليلي"1894، "محاولات في دراسات حول الفردانية" 1896، "دراسات في أسس علوم الروح" 1905، "تاريخ الشاب هيغل" 1905، "التجربة والشعر" 1905، "بناء العالم التاريخي في العلوم الإنسانية" 1910، "حول رؤى العالم"1911. أما الكتاب الذي عالج فيه بعض المسائل المتعلقة بالموسيقى فقد جاء بعنوان:"الحياة التاريخية" 1910.

النص:

بإمكاننا القول إنّ الموسيقى هي تعبير عن عالم المعيش Le monde vécu. والمقصود بالمعيش هنا هو نوع من الترابط بين الحالات الخاصة التي نعيشها في الحاضر وفي الماضي وبواسطة التعبير. بالإضافة إلى عملية التخيّل التي تسمح للمعيش من الظهور في العالم النغمي Le monde tonal المتطور تاريخيا، وقد توفرت فيه كل وسائل التعبير الممكنة في سياق التواصل التاريخي للتراث والتقليد السابق. عندئذٍ، وانطلاقا من إبداع هذا التخيّل، لا وجود في حقيقة الأمر لتكوين إيقاعي ولا للحنٍ موسيقي لا يعبّر عن هذا المعيش. والحقُ أنّ كل شيء هو إلى حد ما تعبير عن هذا المعيش لأنّه بفضل هذه الإمكانات اللامتناهية ااتي تتضمنها الأنغام الجميلة وما تحمله من دلالات فإنّ هذا العالم الموسيقي لا زال موجودا ومتقدما عبر التاريخ، وبذلك، فهو قادر على تحقيق تقدم غير محدود. والحقُ أنّ الموسيقي تعيش –بطبيعة الحال- من خلاله لا من خلال إحساسه.
ليس بإمكان تاريخ الموسيقى أن يخبرنا عن الكيفية التي يتحوّل فيها المعيش إلى موسيقى. والحالُ أنّ أعلى أداء للموسيقى يتمثل -من دون شك- في ما يحدث في الروح الموسيقية بصورة غامضة وغير محدّدة بل وغير ملحوظة أيضا، بحيث تجد بكيفية غير مقصودة تعبيرا واضحا شفافا عبر التأليف الموسيقي. وبذلك، نستطيع القول بأنه لا وجود لثنائية بين المعيش والموسيقى، ولا لعالمين، ولا انتقال من أحدهما إلى الآخر. إنّ العبقرية هي على الأصح الحياة داخل المجال النغمي كما لو كانت موجودة لوحدها فقط، ونسيان كل ألم ومعاناة من خلال هذا العالم. والحقُ أنه لا يوجد طريقٌ محدّدٌ يقودنا من المعيش إلى الموسيقى. إنّ من يعيش الموسيقى-المليئة بالنشوة المبدعة والذكريات والصور العائمة والأنغام والألحان العاطفية غير المحدودة التي اضمحلت وتلاشت منذ القدم- من يحسها في أعماق نفسه يمكنه أن ينطلق من ابتكار إيقاعي مرة أخرى عبر مجموعة أنغام أو عبر المعيش مجددا. وليس من شك أنّ الإبداع الفني الموسيقي مرتبط بشكل صارم بقواعد تقنية في عالم الفن كله يتم بكل حرية على مستوى الانفعال النفسي. والحقُ إنّ الانتقال من أحدهما إلى الآخر هو في الوقت نفسه منطلق لكل عملية إبداعية واللغز الذي يتعذر إيضاحه بالكامل فيما يخص الطريقة التي تدل بها المجموعات النغمية والإيقاعات على أشياء ما. والحقُ أنّ الأمر هنا لا يتعلق بتاتا بعلاقة سيكولوجية بين حالات نفسية يتم إبرازها بواسطة المخيلة. وليس من شك أنّ من يبحث عن هذه العلاقة كمن يتبع أمرا زائلا. بل على العكس من ذلك، هي مجرد علاقة بين عمل فني موسيقي موضوعي وأجزائه، من حيث هو إنتاج وإبداع المخيلة نفسها، "بما يعنيه الشيء نفسه في كل لحن من الألحان"، أي ما يعني ذلك بالنسبة إلى المستمع من الناحية النفسية، وهذا –بطبيعة الحال-عبر العلاقة الموجودة بين الإيقاع واللحن، أي عبر العلاقات المتناغمة من جهة، والانطباع بالعنصر النفسي من جهة أخرى. والحالُ أنّ هذه الأخيرة كلها هي في آخر المطاف سوى علاقات موسيقية لا نفسية، بحيث أنها تشكل الموضوع الخاص لدراسة العبقرية والعمل الفني الموسيقي والنظرية الموسيقية La théorie musicale . والحقُ أنّ طرق الفنّان متعددة الجوانب ولا تحصى. كما أنّ علاقة العمل الفني الموسيقي وما يعبّر عنه للمستمع يمكن تحديدها وفهمها وعرضها وتقديمها. ضمن هذا السياق يمكننا أن نشير هنا إلى أداء قائد الجوق الموسيقي مثلا لعمل موسيقي ما لأنّ ما يؤثر من الناحية السيكولوجية حقا في الفنّان هو ذلك الانتقال من الموسيقى إلى المعيش أو من المعيش إلى الموسيقى. إنّ ما هو موجود أساسا في النفس ليس في حاجة أن يعيشه الفنّان بحيث يتم التعبير عن العلاقة الدينامكية الموجودة في أعماق نفس الفنّان من خلال العمل الفني الموسيقي.كما أنّ قيمة الموسيقى تتمثل في كونها نوع من التعبير الذي يموضع ما يجول في نفس الفنّان.
هذا، ومن الضروري أن نكمل الأسس المتعلقة بتاريخ الموسيقى بمذهب الدلالة الموسيقية لأنّ هذا الأخير يمثل الحد الأوسط الذي يربط الأجزاء النظرية الأخرى بين علم الموسيقى والإبداع، بل وأكثر من ذلك، يربط أيضا حياة الفنانين بتطور المدارس الموسيقية. والحقُ أنّ هذا المذهب بمثابة نظام من العلاقات بالنظر إلى كونه مركز اللغز الحقيقي لما يسمى ﺑ الخيال الموسيقي Imagination musicale . وقصد توضيح هذا المصطلح يمكننا أن نذكر بعض الأمثلة؛ ففي النهائي الأول Le premier final لدون جوان Don Juan يمكن أن نسمع إيقاعات سريعة وذات مقادير متباينة أيضا، بحيث نلاحظ أنّ الأجزاء المختلفة تماما للحياة الإنسانية كمتعة الرقص، الخ قد تبدو لنا مرتبطة فيما بينها تماما بحيث يمكن أن يجد تعدد العالم تعبيره في ذلك. هذا هو من دون شك أثر الموسيقى القائم على إمكانية تأثير جنبا إلى جنب وفي وقت واحد بعض الناس أو مختلف الموضوعات الموسيقية من حيث هي ألحان موسيقية جماعية، الخ. في حين أنّ الشعر مرتبط بالحوار، الخ. وليس من شك أنّ الطابع الميتافيزيقي للموسيقى يقوم على هذا الأساس. لنأخذ لحنا من ألحان الموسيقي الألماني فريدريش هاندل Friedrich Haendel التي تتكرر فيها سلسلة نغمية تصاعدية بسيطة جدا عدة مرات. والحالُ أنّ بهذه الكيفية تولد في ذكرى كليةٌ يمكن فهمها بصورة شاملة أحيانا. وعلى هذا الأساس يمكننا القول إنّ مثل هذا التصعيد أو التعاظم في حجم الموسيقى Crescendo يعبّر –من دون شك-عن قوة. غير أنّ هذا الأمر مرتبط بقدرة هذه الذكرى على فحص، بحكم بساطتها، سلسلة زمنية. يمكننا أن نضرب مثالا آخر بلحن جماعي متأتٍ من مصدر شعبي؛ إنّ الشكل الخارجي البسيط للغناء المعبّر بوضوح عن الإحساس يعبّر عنه في سياق الشروط الجديدة. والحقُ يقال إنّ السرعة البطيئة والمنتظمة للأصوات والسلسلة المتناغمة المنبعثة من اللحن الأساسي للأرغن Orgue هي التي تُبرز العلاقة مع الموضوع ما فوق التغير الخاص إلى الإحساس البسيط، وهذا في قلب هذا التغيّر نفسه. والحالُ أنّ هذا الأمر مرتبط بالجانب الديني، وبما فوق الحسي في الزمن، وبالانتقال من التناهي إلى اللامتناهي الذي يتم التعبير عنه موسيقيا. ويمكن أن نشير هنا أيضا إلى حوار النفس المرتعشة مع المخلّص في غنائيات الموسيقي الألماني الكبير سيباستيان باخ Sébastian Bach . هذا، ومن المعلوم أنّ الأنغام السريعة والمضطربة هنا، المنفصلة عن بعضها البعض عبر فواصل كبيرة وأنغام طويلة، قد تنتج مجموعة من الأنغام الإضافية.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أنّ الدلالة الموسيقية La signification musicale تتطور من خلال اتجاهين متعارضين؛ من حيث هي تعبير عن سلسلة لغوية شعرية يكون موضوعها محددا قصد تأدية شيء محدّد من الناحية الكلامية وبطريقة موضوعية تماما. أما في الموسيقى الآلية لا يكون الموضوع محدّدا ولكن غير متناهٍ Infini أي غير محدّد Indéterminé. وبهذه الكيفية، فإنّ الموسيقى الآلية، وفي أشكالها العليا، تتخذ –بطبيعة الحال- الحياة موضوعا لها. وبالنسبة إلى عبقري في المجال الموسيقي مثل سيباستيان باخ فإنّ كل صوت من أصوات الطبيعة، وكل حركة من الحركات، وكل همسة من الهمسات اللامحدّدة يمكن أن يستلهم منها بعض الأشكال الموسيقية التي تطابقها.

الهوامش:

Wilhelm Dilthey, La vie historique. Manuscrits relatifs à une suite de L’édification du monde historique dans les sciences de l’esprit. Traduit de l’allemand par Christian Berner et Jean-Claude Gens, Paris, Presses Universitaires du Septentrion, 2014, pp 52-53.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.